العام و الخاص في المعرفة و التطبيق السيكولوجيين

العام و الخاص في المعرفة و التطبيق السيكولوجيين


                                                                   فرنسوا ريشار 


أقرأ المواد التعليمية وتهذيب العقل، أية علاقة؟

 

العام و الخاص في المعرفة و التطبيق السيكولوجيين

                                                                   فرنسوا ريشار 

                                                                                         

    

شكلت وجهة نظر العام و ووجهة نظر الخاص موضوع حوار تواجه فيه باستمرار علماء النفس، سواء على مستوى المواضيع المعرفية أو على مستوى أشكال التطبيق، وقد امتد الحوار ليشمل مجال الأخلاق، لكونه على ما يبدو يغطي مختلف التصـورات ذات الصلة بما هو إنساني. هذا الحوار شكّل أيضا مجال مواجهة بين مختلف التخصصات السيكولوجية، فدافع علم النفس الإكلينيكي باستمرار على وجهة نظر الخاص، ودافع علم النفس التجريبي على وجهة نظر العام، بينما انقسم علم النفس  الاجتماعي إلى فرعين، أصبح أحدهما فرعاً لعلم النفس الإجتماعي الإكلينيكي، والآخر علمَ نفس اجتماعيِ تجريـبي. غير أن هذا الحوار لم يكن أكاديمياً فحسب، بل كان ذا طبيعة صراعية، والحجة على ذلك واقعةُ تمخضه على علوم مؤسسـاتية خلال سنوات 68 وما يليها. وإني أرغب هنا في الكشف على أن هذا التعارض كان عقيما من الناحية العلمية، وأنه كان ذا عواقب وخيمة من الناحية المؤسساتية والإجتماعية، خاصة إذا اعتبرنا أن هذه الثنائية لا تتوافق ومجالات علم النفس. والواقع أن هذه الثـنائية، التي تهم المعرفة العلمية والمنهجية والتطبيقية على حد سواء، لصيقة بكل المجالات. وأعتقد أن هذه الثنائية في وجهة النظر هذه بناءة لمجـال معرفتنا، وأن اعتبارهما متناقضتين يعطي الدليل على فجاجة هذا المجال المعرفي. وإني أطمح إلى التأكيد على ضرورة تكاملهما.

 

العام والخاص: تعايش صعب بين نظرتين متعارضتين 

حضور مستمر لوجهتي نظر متناقضتين

تجدر الإشارة في البداية إلى الحضور المستمر لهذه الثنائية في وجهة النظر بالمجال السيكولوجي، حيث تحضر بارزة على المستوى العلمي، أو الميتودولوجي أو التطبيقي على حد سواء. فمن الناحية المعرفية، تم الدفاع طويلا عن الفكرة القائلة أن علم النـفس العلمي يقوم على أساس التسليم بالقوانـين العامة، كما هو الحال بالنسبة للعلـوم الأخرى. وقد ساند كلـود برنار Claude Bernard هذه الفكرة خلال القرن الماضي في ميدان البيولوجيا، ولم يكن من الصدفة أن يولد علم النفس التجريبي  باعتماد الإحساس، الميدان الأكثر قربا من الفسيولوجيا، وأن تُعتبر قوانين فيبر Weber و فختر Fechner النموذج الأفضل للعلاقات بين متغيرات السلوك ومتغيرات المحيط. وانطلاقاً من هذه القوانين، تم مؤخرا استبدال تعريف العام بنظرية تعديل الفكر التي بلورها فودور Fodor (1983). فالوحدات modules هي أنساق للمعالجة المتخصصة و المستقلة، التي تشبه إلى حد ما ما كانت عليه الملكات في نظرية كال Gall. إنها تتميز بخصوصـية المعلومة التي تُعالَـج، وسرعة المعالجة وإلزاميتها، وتكتمها في علاقتها بالتمثـلات. فالوحدات تتعارض والعمليات المركزية الخاصة بمجال الاعتقادات و التمثلات، هي وحدها التي تكون ذات الصلة بالبحث العـلمي لكون تلك الوحدات وحدها تقبل التحليل بواسطة المناهج التجريبية، على قدر  كونها انساقا موضعية لا تتفاعل مع مجمـوع النظام.   

في مقابل هذه الرؤية تمت بلورة فكرة مؤداها أن قابلية التغيير، في حد ذاتها، لها من الناحية العلـمية أهميـتها. لقد برزت الفكرة بعد تشديد علم النفس الفارقي الفرنسي، بتأثيرٍ من روكلان Reuchlin، على الفوارق الفرديـة )انظر لوتريLautry  ،1995) وتشكل هذه الرؤية عنصرا من عناصر المقاربة الخاصة بمعالجة المعلومة كما تؤدي إلى التمييز، ضمن أشكال القيام بنفس المهمة، بين مختلف الأفراد الذين يتصفون بفوارق لا يشكّل فيها الجنس، ولا المتغيرات السوسيولوجية والثقافية سوى واحد من أجزاءها.

إلى جانب المقاربة الفارقية، تمت بلورة مساءلةٍ للطابع الذي يتفرد به العام انطلاقا من اكتشاف أهمية تأثيرات السيـاق، خصوصا عند دراسة الذاكرة وحل المشكلة. أما ما تعلق منها بالذاكرة، فقد تم الكشف عن أهمية السياق الترميزي، أي عناصـر من المحيط المتواجدة لحظة اختزان المادة المراد تخزينها بالذاكرة، وأهمية السياق الإسترجاعي أيضا، أي طبيعة المحيط الموجود أثنـاء استرجاع المعلومة. وأما ما تعلق منها بحل المشكلة، فقد تم إدخال فوارق هائلة من طرف ما يسمى بتهيئة المشكل، أي طبيـعة الأنساق السيميائية التي تجسد البنية الموحدة للمشكلة. إلى ذلك تم الكشف أيضا عن انعدام نقل حل معلوم لمشكلة حين يعرف سياقٌ مادي آخر المشكل ذاته.

تُفسّر هذه النتائج بفكرة مؤداها أن الأساسي في حل مشكلة ما و، بشكل عام، تحقيق مهمة ما يكمن في كيفية تمثل الفرد للوضعية: إذ أن الوضعية مرتبطة بالسياق، ما دام أنه يثير لدى الفرد معارف مختلفة. يتفق هذا الرأي، الذي بلوره علم النفس، مع توجه يمكن تسميته بالمعرفة المُموضَعة cognition située، الذي بلورته الإثنولوجية، والذي يؤكد على الطابع الاجتماعي على التمرس المعرفي كما يكشف على أن أميين، مثلا، يتفوقون في نوع من التفكير المعقد جدا خلال ما اعتادوا عليه من أنشطة يومية.

تتعارض وجهتا النظر أيضا على المستوى الميتودولوجي، حيث يبدو الاختلاف جليا على مستوى الوضعية المسمـوح بها للملاحظة. فالملاحظة في علم النفس التجريبي ليست مرفوضة، لكنها تساعد فقط على بناء الفرضيات: إذ أن فريز Fraisse (1963( يتبنى صراحة في مجال علم النفس ما عبر عنه كلود برنار في مجال البيولوجيا. فالتحليل العلمي لا يرتكز على معطيات الملاحظة، وإنما على معطيات التجربة. واليوم يتم التعرض بقوة لهذا الرأي ضمن عدة مجالات من علم النفس المعرفي، المعتمد على تحليل الروائز الفردية، وهي حالة العديد من علماء النفس الذين يركزون اهتمامهم على المهام المعقدة من قبيل حل المشكلة أو الوضعيات الميدانية المرتبطتين بالعمل أو بالمدرسة. إن حل مشكلٍ ما عمليةٌ خاصةٌ، حيث أن المعارف التي يستحضرها الفـرد إزاء حل مشكلة معارف خاصة به وتحدد تفسيراته واستراتيجيات حل المشكل. عن هذه الحالة تتولد فوارق في التصرفات المباشرة، وبما أن هذه التصرفات تحدد طبيعة تطور الوضعية ، فهذه للأخيرة لن تكون هي نفسها بالنسبة لفردين أمام نفـس المشكـلة. فتحليل استراتيجيات إيجاد الحل لا يمكنها أن تتم بشكل مقبول إلا باعتماد العملية الخاصة المتمثلة في رائز المشكلة المتكون من تتالي الوضعيات التي صادفها الفرد والأجوبة التي قُدمت عن كل وضعية.

يمكننا بالكاد أن نقوم في علم النفس التجريبي بتحليل كل حالة على حدة، إذا ما مر كل فرد بجميع الوضعيات التجريبية واتخذت التدابير الكافية في كل وضعية تجريبية. الفرق أننا في هذه الحالة سنعتبر التدابير المتخذة في وضعية صالحة لوضعية أخـرى، حيث تسمح هذه التدابير بتثمين متغيراتٍ اُعتبرت متغيرات مشكوك فيها، تفضح خطأ القياس. هذه المتغيرات تُستعمل كعامل محتمل لتحليل شروط التغيير، وعنه نأخذ متوسط الإجراءات القابلة للتبادل كأفضل تقدير لقياس الظاهرة. أما الروائز الفردية فلا مجال لأي توسيط من رائز إلى آخر، ولا حتى داخل نفس الرائز: حتى وإن تعددت فرص وجود فرد ما إزاء نفس الوضعية أثناء البحث عن الحل، لكون تلك الفرص تشكل لحظات مختلفة في تاريخ البحث عن الحل و التأريخ عنصر أساسي في الرائز. فمفهـوم الصدفةaléa ، الأساسي في التحليل المقارن و المميز للتجريب، مفهوم غريب عن تحليل الروائز الفردية. بل هناك، بالأحرى، ميـل إلى التسليم بتماسك الرائز، وأن ما أنجز لم يكن بدون سبب معقول، حتى وإن عجز الفرد عن التعبير عنه، وأن ذاك التماسك نفسه هو الذي يسمح بتفسير الرائز. 

ثم إننا نجد في هذه الثنائية في وجهة النظر أيضا في المجال التطبيقي. فوجهة نظر العام تؤدي إلى ما يسمى بالضوابـط. وأبحاث علماء الشغل حول تهيئة مناصب الشغل ارتكزت على أبحاث من طبيعة تجريبية، وأدت إلى توصيات خصت في غالب  الأحيان الفاعل المتوسط: إذ لم يعد تنظيم وَكْن الطيار، ولا منصب قيادة السيارة أو منصب أي عمل كمناصب مشخصنة. إلا أنه وإن كان هذا التنظيم يستجيب لحاجة مراعاة الفاعل، وتحسين شروط العمل وتقليص المخاطر المحدقة ، فإن ذلك قد تم بالتفكير في الفاعل المتوسط فقط، حيث يتم الاعتقاد أن الفوارق الفردية تمحي بفعل التعلم و أن الفاعل المكوَّن يستجيب لهذا المعيار. وتظهر وجهة النظر القائلة بالضابط أكثر وضوحا بالمدرسة: إذ تهدف الأبحاث الديداكتيكية، التي يساهم علماء النفـس في  بلورتها، إلى تحسين البرامج، على الرغم من أن البرنامج هو نفسه بالنسبة لجميع التلاميذ. وبما أننا نفتقر إلى تعليم سابق قادر على إخضاع التلميذ للضابط، فستطرح إذ ذاك مسألة الفوارق بشكل حاسم.

لقد أصبح الأخذ بعين الاعتبار للفوارق المابين الفردية موضوع انشغال كبير في حقل علم الشغل في إطار تصور لمواجهة المقتضيات الموجَّهة للجمهور الواسع، لكون الفاعلين هم زبناء، وسهولة الاستعمال تصبح أقوى حجة للبيع. يمكن الاعتراض، في هذه الحالة، على أنه لا يمثل النموذج الأمثل لإعطاء الخصوصية الفردية قيمتها الحقيقية، حيث أن المقتضيات الأحسن فهـما هي تلك البسيطة، وإن كانت مستعملة من طرف جمهور واسع. ذلك أن إعطاء الخصوصية الفردية ما تستحقه من اهتمام يتطلب تشخيصا لهذه الخصوصية: حيث أن تشخيصا من هذا القبيل يتحقق في الأنظمة المساعدة على التعلم،  الذي يتبلور في الميـدان المحسوب على التعليم المؤازر بذكاء من قبل الحاسوب. تهدف هذه الأنظمة إلى تقديم مساعدة للتلميذ، الذي يأخذ بعين الاعتبار طبيعة الصعوبة التي تعترضه. بطبيعة الحال يتطلب هذا أن نجعل للخطأ سببا: كقراءة خاطئة للبيان énoncé، تطبيق لتماثـل خادع، الجهل بمعرفة عنصر أساسي من أجل بلورة الحل. وبلورة أنظمة من هذا القبيل لا تزال في مرحلتـها الجنـينـية، إلا أن تطويرها يبقى محتّما في السنوات القادمة. وهي تمثل وجهة نظر الخاص في حقل علم النفس المعرفي.

 

تعارضُ وجهتي النظر تعارضٌ في صلب علم النفس

من واجب علم النفس أن يتمسك بتين وجهتي النظر مجتمعتين: فإن كانت تمثلات الأفراد للوضعيـات تحددها بشكل كبير المعتقدات و المواقف والدوافع من جهة، فإن لها من جهة أخرى علاقة وطيدة بعوامل المحيط المادي و الاجتماعي، التي تنفلت مفاعلها للوعي. أما التعارض بين العوامل العامة وبين خصوصية الفرد، المرتبط بوضعية الشخصـية، وبتاريخ حالته وتمثله، فإنه يوجد في قلب تخصصاته، واعتبار أن كل فرع يتميز بواحد من وجهتي النظر هي قراءة تبسيطية خادعة .

إن علم النفس المعـرفي يبلور وجهة نظر العام حينما يدرس بعض الآليـات من قبيل ولوج الدلالات التي تحمـلها الكلمات، الاستذكـار، مفاعيل التبئـير الفعل القصدي، التحديدات المرتبطة بالذاكرة أو كيفيات بلورة الأهداف، عن طريق تكييفه مع نتائج التجربة أو باستعمال القواعد العامة للتخطيط غير أنه يقارب وجهة نظر الخاص حينما يبحث عند تحليل الروائز الفردية عن التأويل الذي قُدِّم عن الوضعية، والوضعية المماثلة التي أثيرت، وعما هو الهدف الجزئي الذي اتبعه الفرد أو سبب وقوع الفرد في مأزق ما ورفضه القيام بفعل هو، بالأحرى، مقبول ويمكّن من التقدم نحو الحل.

في المقابل يحبذ علم النفس الإكلينيكي بشكل قطعي وجهة نظر الخاص، ما دامت الممارسة العلاجية تقوم على فـهم تاريخ حالة الشخص واستثمار السياق الخاص، الذي يمكّن من إلقاء الضوء على أصل الخلل في التكيف وما يترتب عنه من ألم. إلا أنه يتم بتبني وجهة نظر العام في دراسة خصائص الحالات المرضية، دراسة مجزأة بين طب الأمراض العقلية و علم النـفس. إنها على الخصوص الوضعية التي نجدها في دراسة اختلالات الإدراك، التي تتطور الدراسة بها تطورا كبيرا منذ عدة سنـوات في مجال السكيزوفرينيا، مثلا، بتوضيح اختلالات تنظيم الفعل، واضطرابات على مستوى ترجمة نوايا الآخرين، وصعوبة الاعـتراف بالوجود في أصل فعله. وقد تمت هذه الدراسة باعتماد مناهج من طبيعة تجريبية، وهو أمر طبيـعي جدا مادمنا أننا، هنا، بمنحـدرٍ  العام.

يمكن القيام بنفس التحليل في مجالي علم الشغل وعلم النفس الاجتماعي. ففي علم الشغـل نكون إلى جانب العام حين نهيئ التصور أو نهيئ مناصب الشغل، لكننا حين نحلل الطريقة التي عولجت بها الحوادث من طرف الفاعلـين في مراقبة العمليـات الصناعية، وحين نبلور أنظمة مساعدة في العمل أو الأنظمة المساعدة في التعلم ضمن مجال من مجالات المعرفة  فإننا نكون بكل تأكيد إلى جانب الخاص. أما بالنسبة لعلم النفس الاجتماعي فوجهة نظر العام هي المهيمنة عندما نقوم بدراسـة التفاعـلات داخل المجموعات أو عمليات التأثير، لكن التدخل البسيكوسوسيولوجي أو الإرشاد في علم نفس المنظمـات فهي إجـراءات تحبذ وجهة نظر الخاص.

لابد من الإشارة، والحالة هذه، أنه إذا كان لوجهة نظر الخاص الأولـوية في التطبيق، فإنها تظل مهمّـشة ضمن المعـرفة السيكولوجية. من الضروري بلورة مقاربة نسقية خاصة بدراسة الخاص و منهـجية للتحليل الفردي. وقد بُذل مجهود كبير في هذا الاتجاه في علم النفس المعرفي مع دراسة الأشكال الشفهية، وفي علم نفس الشغل وحل المشكل مع تحليل الخطابات و التفاعلات الاجتماعية. إن التأكيد الحالي على دراسة تمثلات الأفراد وتطورهم ضمن السياق النوعي للمهمة، لمن شأنه دون ريب أن تخلق تقاربا بين علم النفس المعرفي وعلم النفس الإكلينيكي.

إننا إذا ما قارنا بين علم النفس وبين علوم أخرى، فسيبدو غلم النفس المجال الـضروري لتزاوج وجهتي النظر على المستوى المعرفي والمستوى التطبيقي بكل مجال من مجال هذا العلم. بينما تتميز باقي العلوم الأخـرى إما بهيمنة أحد وجهتي النظر هيمنة كبيرة (العام في علم الاجتماع، الخاص في التاريخ) وإما بكون وجهة نظر العام تميز المعرفة، ووجهة نظر الخاص تميز التطبيق (كما هو الحال بالنسبة للطب في علاقته مع الفيسيولوجية).

          

أية ابستيمولوجية لعلم النفس؟     

ثمة، كما سبق لنا قوله، منهجان علميان: المنهج التجريبي القائم على اختبار الفرضيات والمنهج التأويلي. كلا المنهجين ضروريان: الأول لإقامة آليات عامة، والثاني لتفسير الحالات الفردية. فالنشاط المعرفي مرتبط بالآليات العامة، وهذه الآيات العامة ضرورية لتفسير الحالات الخاصة. تبقى المسألة منحصرة في كيفية استيعاب هذه الآليات العامة. البعـض يعتقد أن النشاط المعرفي مرتبط ببنية وظيفية، وهو على الخصـوص موقف علماء النفس العصـبي. هذه البنية هي خاصة بتنظـيم لأنظمة المعالجة، المتمثلة في الوحدات المتخصصة، التي سبق الحديث عنها، وتستند هذه الوحدات بدورها على بنية عصبية. لكن وجود هندسات ثابتة هو في الحقيـقة فرضية يشتغل عليها علماء النفس العصبي مكنت من نقل معطيات عديدة لصالحه.

ومع ذلك من الصعب تصور أن الأنشطة المعقدة المتعلقة بالفهم، والتفكير المنطـقي، وحل المـشكلات، وأخذ القرار إنما تنم عن معالجة قطاعية تولدت عن هندسة ثابتة: إذ أنها ترتبط في الواقع، بشكل كبير، بسياق الـوضعية، وبمعارف الأفراد والتفسير الذي يقدمه لها هؤلاء. غير أن مرونة هذه الأنشطة، تبعا للسياق، لا تعني عدم قدرتنا على أن نستخرج منها نماذج عقلانية. الواقع أننا قادرون، إلى يومنا هذا، بالنسبة لعدد محدود من الوضعيـات، أن نصنع نماذج ونصنِّع هذه الأنشطـة (ريشـار)، إلا أنه لا تتم المصادقة عليها validation  بواسطة المنهجية التجريبـية، وإنما اعتمادا على تحليل الرائز المفصل للأفعال و، بطبيعة الحال، لما يتفوه به فرد منخرط في إنجاز مهمة ما. إن إنجاز مهمةَ مسارٍ خاصٍ و المساراتِ الفرديةِ كلُّها مختلفةٌ، ما عدا ما وافق منها الحل الأمثل.

إن ما يوحد هذه الروائز لا يتمـوقع على مستوى الأفعـال الملاحَظة، وإنما على مستوى مختلف العمليات القائمة: وهي تفسير عناصر الوضعية، والغنى الأكثر شساعة لتفكيك الهدف، وتقييم أهـمية مختلف الأفعـال الممكنة بالنسبة للهدف (أو الهدف الجزئي) المراد تحقيقه، وقاعدة اختيار الفعل الذي يقلص انحراف الهدف. تحتوي كل عملـية من هذه العملـيات على متغيرات تميزها ويُستغل تركيب هذه المتغيرات في تفسير مسار رائز فرد ما. إن إنتـاج رائـز مماثل يتطلب البحث، ضمن اصطـلاحات النموذج (المتغيرات الممكنة لمختلف العمليات)، عن مركب المميزات لمختلف العمليـات التي تسمح بأن تتولد عنها، بشـكل لصيق، ما يتلو من أفعال ملاحظة.

 هذا التصنيع هو تشخيص، بمعنى أنه تفسير مقبول للمعطيات الملاحظة: بحيث أنه إذا ما سلك فرد ما بكيفية معينة، فذلك، بكل تأكيد، له كذا تفسير، كذا هدف، كذا طريقة لتقييم الأفعال في علاقتها بالهدف. سيكون لرائز آخر تفسيرا مختلفا، وذلك لأن عند تصنيعه بشكل مقنع، لابد من الأخذ بعين الاعتبار تفسيرات أخرى للوضعية، وأهداف أخرى وطرق أخرى للتقييم. كل الروائز التي يمكن بناؤها بهذه الطريقة تتبع نفس النموذج العام الذي يقدم إطارا للتحليل وتفسيرا لهذه الروائز: هذا النموذج العام هو المطلوب تصديقه، حين تقارن بين الروائز المبنية والروائز الملاحظة.

إن النموذج المقعّد يقدم إطارا تفسيريا للنظرية. ميزة تقعيد الاستنباط كونه حين يتم وضع فرضيات النظرية (الآليات العامة وخصوصياتها المتمثلة ضمن الوضعية)، فإنه يسمح بتوليد جميع الروائز الكامنة المتساوقة مع النظرية، ما دام أن تشخيص رائز يرتكز على البحث عن احتمال وجود واحد يطابقه تماما من ضمن مجموع الروائز المتساوقة مع النظرية. إن تقعيد نظريةٍ ما يسمح بتصديقٍ أكثر شمولية، وذلك لأن النظرية إن كانت أكثر ضبطا تصبح أكثر قابلية للدحض، علما أن المنهج الأساسي يظل هو نفسه حتى مع نظرية غير مقعدة. فالأمر يتعلق بتقديم تفسير لرائز ملاحظ، وذلك باستعمال النظرية كإطار تفسيري: إذ في  الحالتين يتم التفسير في إطار الحدود النظرية.

من الممكن أن نجد في حقل علم النفس منهجا تصديقيا تنبّؤيا صرفا، كما يتم في الغالب القيام به ضمن علوم الطبيعة (ليس دائما، كما تشهد على ذلك حالة علم الأرصاد الجوية). إن التصديق يتوقف على منهج بعدي مرتبط بواقعة كون عدد من المعلومات مجهولة وهي ضرورية لكل تنبؤ: كالمعرفة التي يمتلكها الأفراد، والتفسير الذي من الممكن أن يقدموه عن بيان ما، في حدود ارتباط هذا التفسير بصيغة البيان، وأيضاً بما يعرفونه، وبالأهداف التي قد يصوغونها مادام أن هذه الأخيرة ترتبط بالتفسيرات المقدمة. عندها نستعمل سلوك الفرد للقيام بتشخيص هذه المعارف وهذه التفسيرات. وانطلاقا من هذا التشخيص، يمكن لنا القيام بتنبؤات تهم سلوك الفرد في خضم الوضعية، وذلك إذا ما افترضنا أن تمثله للوضعية وللأهداف لا تتغير.

الواقع أن جانب التصديق التنبؤي ضعيف في حقل علم النفس وذلك لأن مبدأ كل الأشياء متشابهة يطبق بشكل ضيق، ما دام تمثل الوضعية والأهداف هما في تطور: إذ من الممكن تتبع هذا التطور، لكن من الصعب التنبؤ به، لما يتطلبه ذلك من معرفة بميكانيزمات التعلم ولِما تم تخزينه من بين ما رُئي وما فُعِلَ. في هذا الإطار يمكن مقارنة علم النفس بالتاريخ، الذي يمكن بواسطته تفسير ما مضى دون أن يعني أننا سنعرف ما سيحدث. لا يعود هذا إلى كون التاريخ علم غير معقد. فالواقع أننا إذا انتبهنا إلى الاقتصاد، الذي يطبق الرياضيات أكثر من الفيزياء، سنلاحظ أن التنبؤات التي يقدمها هي ذات أمد قصير وتُراجع باستمرار أو تُلغى، لا لخطأ في النظريات وإنما لتغير الثوابت، وذلك على الخصوص بسبب تمثلات الفاعلين في الوضعية. إن قابلية التغيير هي واحدة من الصعوبات التي يعرفها البحث العلمي، خاصة حين تحد من إمكانيات التنبؤ، وليس علم النفس المجالَ الوحيد الذي يصادف هذه الصعوبة.

أعتقد أن التقدم الذي سيشهده علم النفس في القرن المقبل سيتم عبر بلورة وجهة نظر الخاص. أعتقد أنه سيكون إكلينيكيا، ليس على مستوى اختلالات التكيف والعلاقات، وإنما أيضا في الميدان المعرفي. وعليه سنشهد تطورَ أنظمة المساعدة الخاصة بالأفراد: كالمساعدة على التعلم، وعلى إنجاز مهام العمل بالمدرسة، ومساعدة المعاقين. وستُبنى هذه المساعدات على أساسالتشخيص، لضرورة الأخذ بعين الاعتبار لخصوصية الفرد.

إن مساعدة الفرد الذي يعاني من إعاقات أو الذي يوجد مرحليا في صعوبة، هي بالتأكيد تطبيق سيكولوجي أقل تعرضا للنقاش من الناحية الأخلاقية منه من تلك التطبيقات التي تنتهي إلى تحقيق نوع من التوحيد. صحيح أننا نعيش اليوم حالة من التوحيد في المجتمع الحالي، الذي لا علاقة لعلم النفس به، حالة ناتجة عن عولمة المنتوجات الثقافية و عن الاستخدام المتزايد للحاسوب، وعن أنشطة أخرى ساهمت إلى حد الآن في الحفاظ على العلاقة الاجتماعية، كما هو الحال بالنسبة للألعاب أو المشروبات. إن تصور تداخل هذه المقتضيات الجديدة هو رهان اجتماعي كبير، بقدر ما إن هذه المنتوجات الجديدة قادرة على توليد معوقات إضافية تنضاف إلى المعوق الثقافي. وستكون هذه حالة التي يتطلب استعمالها من الفرد اكتساب الآليات الرمزية التي تحبذها المدرسة. سيكون الأمر غير ذلك إذا ما استعملنا الواقعة المتمثلة في كون هذه الأنواع من التواصل لا تستدعي دوما بشكل استثنائي اللغة وتستدعي أكثر التمثلات المجازية و الدلالات المرتبطة بالمكان والتنقل، مما يقلص من حجم اللغة والعادات الثقافية و المدرسية، المرتبطة بها. هذا العمل يكشف عن وجهة نظر العام: ففي عمل علم النفس، ليس هناك إذن فقط ما يهم المساعدة الفردية، التي تنتمي إلى رؤية أخلاقية تنم على بلورة شروط اقتحام الثقافة.


                   

المصدر

Bulletin de psychologie. Richard (Jean-François).- Général et singulier dans la connaissance et la pratique en psychologie, p. 7-11. Numéro 445, tome 53 (fasc. 1), année 2000 - Ethique en psychologie et déontologie des psychologues.